أبي بكر الكاشاني

145

بدائع الصنائع

وتعالى الثالثة بقوله تعالى فان طلقها فلم تلزم الزيادة على الثلاث بل يجب حمله على هذا لئلا يزمنا القول بتغيير المشروع مع ما انه قد قيل إن معنى قوله تعالى فان طلقها أي ثلاثا وبين حكم الطلقات الثلاث بقوله سبحانه فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فلا يلزم من جعل الخلع طلاقا شرع الطلقة الرابعة والله عز وجل أعلم وأما بيان كيفية هذا النوع فنقول له كيفيتان أحداهما انه طلاق بائن لأنه من كنايات الطلاق وانها بوائن عندنا ولأنه طلاق بعوض وقد ملك الزوج العوض بقبولها فلابد وان تملك هي نفسها تحقيقا للمعاوضة ولا تملك نفسها الا بالبائن فيكون طلاقا بائنا ولأنها إنما بذلت العوض لتخليص نفسها عن حبالة الزوج ولا تتخلص الا بالبائن لان الزوج يراجعها في الطلاق الرجعي فلا تتخلص ويذهب مالها بغير شئ وهذا لا يجوز فكان الواقع بائنا والثانية انه من جانب الزوج يمين وتعليق الطلاق بشرط وهو قبولها العوض ومن جانبها معاوضة المال وهو تمليك المال بعوض حتى لو ابتدأ الزوج الخلع فقال خالعتك على ألف درهم لا يملك الزوج الرجوع عنه ولا فسخه ولا نهى المرأة عن القبول ولا يبطل بقيامه عن المجلس قبل قبولها ولا بشرط حضور المرأة بل يتوقف على ما وراء المجلس حتى لو كانت غائبة فبلغها فلها القبول لكن في مجلسها لأنه في جانبها معاوضة لما نذكر وله ان يعلقه بشرط ويضيفه إلى وقت نحو أن يقول إذا قدم زيد فقد خالعتك على ألف درهم أو يقول خالعتك على ألف درهم غدا أو رأس شهر كذا والقبول إليها بعد قدوم زيد وبعد مجئ الوقت حتى لو قبلت قبل ذلك لا يصح لان التعليق بالشرط والإضافة إلى الوقت تطليق عند وجود الشرط والوقت فكان قبولها قبل ذلك هدرا ولو شرط الخيار لنفسه بان قال خالعتك على ألف درهم على أني بالخيار ثلاثة أيام لم يصح الشرط ويصح الخلع إذا قبلت وإن كان الابتداء من المرأة بان قالت اختلعت نفسي منك بألف درهم فلها أن ترجع عنه قبل قبول الزوج ويبطل بقيامها عن المجلس وبقيامه أيضا ولا يقف على ما وراء المجلس بأن كان الزوج غائبا حتى لو بلغه وقبل لم يصح ولا يتعلق بشرط ولا ينضاف إلى وقت ولو شرط الخيار لها بان قال خالعتك على ألف درهم على أنك بالخيار ثلاثة أيام فقبلت جاز الشرط عند أبي حنيفة وثبت لها الخيار حتى أنها إذا اختارت في المدة وقع الطلاق ووجب المال وان ردت لا يقع الطلاق ولا يلزمها المال وعند أبي يوسف ومحمد شرط الخيار باطل والطلاق واقع والمال لازم وإنما اختلف الجانبان في كيفية هذا النوع لأنه طلاق عندنا ومعلوم ان المرأة لا تملك الطلاق بل هو ملك الزوج لا ملك المرأة فإنما يقع بقول الزوج وهو قوله خالعتك فكان ذلك منه تطليقا الا انه علقه بالشرط والطلاق يحتمل التعليق شرط بالشرط والإضافة إلى الوقت لا تحتمل الرجوع والفسخ ولا يتقيد بالمجلس ويقف الغائب عن المجلس ولا يحتمل شرط الخيار بل يبطل الشرط ويصح الطلاق وأما في جانبها فإنه معاوضة المال لأنه تمليك المال بعوض وهذا معنى معاوضة المال فتراعى فيه أحكام معاوضة المال كالبيع ونحوه وما ذكرنا من أحكامها الا ان أبا يوسف ومحمدا يقولان في مسألة الخيار ان الخيار إنما شرع للفسخ والخلع لا يحتمل الفسخ لأنه طلاق عندنا وجواب أبي حنيفة عن هذا ان يحمل الخيار في منع انعقاد العقد في حق الحكم على أصل أصحابنا فلم يكن العقد منعقدا في حق الحكم للحال بل هو موقوف في علمنا إلى وقت سقوط الخيار فحينئذ يعلم على ما عرف في مسائل البيوع والله الموفق وأما ركنه فهو الايجاب والقبول لأنه عقد على الطلاق بعوض فلا تقع الفرقة ولا يستحق العوض بدون القبول بخلاف النوع الأول فإنه إذا قال خالعتك ولم يذكر العوض ونوى الطلاق فإنه يقع الطلاق عليها سواء قبلت أو لم تقبل لان ذلك طلاق بغير عوض فلا يفتقر إلى القبول وحضرة السلطان ليست بشرط لجواز الخلع عند عامة العلماء فيجوز عند غير السلطان وروى عن الحسن وابن سيرين أنه لا يجوز الا عند السلطان والصحيح قول العامة لما روى أن عمر وعثمان وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم جوزوا الخلع بدون السلطان ولان النكاح جائز عند غير السلطان فكذا الخلع ثم الخلع ينعقد بلفظين يعبر بهما عن الماضي في اللغة وهل ينعقد بلفظين يعبر بأحدهما عن المستقبل وهو الامر والاستفهام فجملة الكلام فيه ان العقد لا يخلو إما أن يكون بلفظة الخلع وإما أن يكون بلفظة البيع والشراء وكل ذلك